قصتها الأميرة نجلاء بنت أحمد
بعد قضاء أربعة سنوات في دراسة علم الأنثروبولوجيا بالجامعة في بريطانيا، عادت الأميرة نجلاء إلى المملكة العربية السعودية بمنظور جديد حول البلد الذي تحبه. وقد كانت هذه الفرصة لرؤية السعودية بعين جديدة، ونقدها بعينٍ جديدة أيضاً، الأمر الذي زاد من حبّها لبلدها، ووضعها في طريق إطلاق Atharna.

إنها منصة تروي لنا قصص الحرفيين المحليين وتروّج لمنتجاتهم وتبيعها. تعتبر منصة Atharna مفهوماً رائعاً تقوده امرأة لديها شغفٌ لا مثيل له للثقافة العربية – وهو شغفٌ أحسسنا به ونحن نستمع إلى قصتها، وما يلهمها وأحلامها…

ما الذي يلهم اهتمامكِ وشغفكِ بالتراث الثقافي؟

لقد ولدت وترعرعتُ في السعودية، ولطالما رغبتُ في العمل مع السكان المحليين. أنا محظوظة للعيش هنا، فالمملكة العربية السعودية أرضٌ شاسعة جداً، تلتقي وتنصهر فيها مختلف الثقافات والأعراق التي جذبتها هذه البلاد إمّاً لأسباب دينية أو أخرى تتعلق بالبحث عن الفرص التجارية. وعلى مر القرون، استقر العديد من التجار والحجاج في البلاد، مما خلق فسيفساء رائعة من الأعراق والثقافات التي شكلت الثقافة السعودية.

هل غيّرت دراستكِ لعلم الأنثروبولوجيا نظرتكِ إلى الأشياء؟

كانت الأنثروبولوجيا أساساً رائعاً، جعلني أوقن أنّ بوسعي الذهاب أينما شئت. كان موضوع رسالة التخرّج التي قدمتها هو “تسرّب الحداثة إلى المجتمع السعودي”. كما درست أيضاً موضوع القرابة: درست تطوّر وتحوّل العائلات من النظام القبلي إلى نظام العائلات المصغّرة أو “العائلة النواة”. هناك مجموعة كبيرة من الأبحاث حول مختلف جوانب الحياة السعودية. غير أنّ معظم هذه الأبحاث إمّا أن يُكتب باللغة العربية، وبالتالي لا يمكن أن يستفيد منها الجمهور العالمي، أو بلغات أجنبية تكون في الغالب من قبل الغربيين الذين يقدمون تفسيراً لملاحظاتهم التي تعبّر عن منظورهم الخاص للأشياء، وهذا لا يعكس دائماً واقع الأمور عندنا. أرى أنا إسهاماتي في الأعمال الموجودة في هذا المجال تأتي من منظور شخص محلي يعرف البلد، ولكنها تتميّز بتحليل دقيق جاء نتيجة دراستي في أفضل وأرقى الجامعات السعودية والبريطانية.

ما الذي حدث بعد ذلك؟

اتصلّت بعمّي – كما يفعل أي عربي – الذي يترأس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ويدير المتحف الوطني في الرياض. تمكّنت بعد ذلك من العمل مع باحثة عربية قدِمت للمتحف بعد أن كانت تعمل في معهد العالم العربي (Institut du Monde Arabe) في باريس. كان عملي مع امرأة في مجال يهيمن عليه الرجال بشكل أساسي أمراً مثيراً حقاً. وقد تعلمت الكثير من عملي كمساعدة لها لمدة أربعة أشهر. انتقلت بعد ذلك إلى المقر الرئيسي لمنظمة اليونيسكو في باريس، حيث كنت أتدرب في قطاع التعليم – وبالأخص تعليم الفتيات والنساء في كينيا – قبل العمل كباحثة لمدة خمسة أشهر لدى مؤسسة Turquoise Mountain.

حدثينا أكثر عن الوقت الذي قضيته في العمل لدى مؤسسة Turquoise Mountain.

تعمل منظمة Turquoise Mountain مع الحرفيين في أفغانستان، ونظراً لنجاحها في هذا المجال، طلبت السعودية منها أن تجري أبحاثاً عن قطاع الحرف السعودية وأن تعمل مع الحرفيين السعوديين. كان العمل الذي قامت به المنظمة مذهلاً، ليس من حيث الأبحاث في الأعمال الحرفية فحسب، بل أيضاً من حيث مساعدة الحرفيين أنفسهم من خلال تطوريهم وجعلهم أصحاب مشاريع خاصة بهم. واجهنا مشكلة واحدة فقط طوال هذا المشروع، حيث لم يكن هناك أي مكان يمكن لهؤلاء الحرفيين أن يعرضوا فيه أعمالهم من أجل تحقيق دخل مستدام – وأعتقد أن هذا كان مصدر الإلهام بالنسبة لي. جعلني هذا أفكر في أنه لا يوجد أفضل من شبكة الإنترنت لإنشاء منصة للتسويق لهؤلاء الحرفيين، منصّة يمكنهم من خلالها شحن أعمالهم إلى جميع أنحاء العالم، وأن تكون بمثابة منبرٍ لهم. ومع ذلك، شعرت بوجود فراغ في فهم هذه الحِرف، لذلك أطلقنا مجلة على الإنترنت قبل إطلاق المتجر.

كيف جاءت فكرة المجلة الإلكترونية؟

تعاونّا مع مجلة Brown Book ومقرّها دبي. تطلق هذه المجلة على نفسها اسم “الدليل العصري للشرق الأوسط” – أحببت أسلوبهم الجمالي وطريقة عملهم المميّزة. كنّا نكتب مقالات عن الثقافة وراء الحِرف: أي شيء يتعلّق بالحرف والثقافة في الشرق الأوسط. لقد كان من الرائع حقاً أن نطلق هذه المجلة لأنها ساعدتنا على بناء مجتمع مذهل من الأشخاص الذين يتشاركون نفس القيم والأفكار.

على الصعيد الشخصي، لماذا من المهم بالنسبة لكِ أن تروي قصص هؤلاء الحرفيين والنساء؟

لم أكن أقدّر الأعمال الحرفية خير تقدير حين كنت أعيش في المملكة. عندما كنت أسافر حول العالم، كنت دائماً أحب أن أجلب معي قطعة فنية من البلد الذي أزوره، وكنت أفضّل أن تكون تلك القطعة مصنوعة يدوياً ومحلياً لتكون بمثابة قطعة مثيرة للحديث في منزلي، لكنّ زوّار السعودية لم يكونوا قادرين على القيام بذلك بسهولة. دائماً ما كنت أواجه صعوبات في العثور على أشياء مصنوعة يدوياً في السعودية لأهديها لأصدقائي حين يزورنني.

كيف تجدين الحرفيين الذين تعملين معهم، وما هي المعايير التي تبحثين عنها؟

نحن نعمل إمّا مع الحرفيين بشكل شخصي أو مع التعاونيات. عندما نعمل مع التعاونيات، يكون الأمر غاية في البساطة. نتأكد فقط أنهم يستوفون معايير الإنتاج الأخلاقي لدينا ومتطلبات الاستدامة، وأن منتجاتهم يدوية ومصنوعة محلياً. عندما نتأكد أن التعاونيات مناسبة، نعمل معها بصفة مشترين. أما عندما نعمل مع الحرفيين بشكلٍ فردي، فإن العملية تكون أطول، لأننا نبدأ من الصفر. نساعد الحرفيين على تحويل أعمالهم إلى مشاريع تجارية، ونتأكد أنهم يعملون مع حرفيين آخرين في المنطقة إذا احتاجوا إلى ذلك، كما نزوّدهم بالموارد المحلية اللازمة. يعتقد الكثير من هؤلاء الحرفيين أنه من الأسهل الحصول على المواد المصنوعة في مصانع في الهند والصين، ولكن هذا ليس أمراً صحيحاً بالضرورة. تكون العملية طويلة، لأن حالتهم المزاجية هي التي تحدّد عادة وتيرة عملهم.

هل يتم توارث هذه المهارات مع الأجيال الجديدة؟

كانت هذه الحرف متوارثة في السابق، حيث تعلّمها الحرفيون من آبائهم وأجدادهم، ولكن أبناءهم لا يرون في هذه المهارات مهنة يمكن احترافها. بل يرون أنها “شيء تقوم به والدتي” أو “شيءٌ يقوم به جدّي”. هم يرغبون في تعلّم مهارات أخرى يعتقدون أنها أكثر فائدة لهم. ولكننا نحاول أن نقول لهم “لا، يمكنكم جعل هذه الحرف مساراً مهنياً لكم”. فهؤلاء الحرفيون هم مصممون وأصحاب مشاريع قائمة بذاتها، ويمكنهم الاعتماد على مهاراتهم وحرفهم لإنشاء مشاريع ناجحة. أتمنى أن ترغب الأجيال الشابة في قول: “أريد أن أتعلّم هذه الحرفة، أريد أن أتعلّم هذه المهارة، وأن أجعل منها مهنة لي”. لا أعتقد أن الأجيال الجديدة تتوارث هذه الحرف حالياً، ولكني أتمنى أن يتغيّر هذا الأمر بطريقة ما في المستقبل.

هل قدّمت لكِ عائلتكِ شيئاً مكّنكِ من إنشاء مشروعكِ الخاص؟

توفّي والدي وعمري تسعُ سنوات. وعلى الرغم أن جدّي وأعمامي كانوا دائماً إلى جانبي، إلّا أن والدتي هي التي أثّرت عليّ حقاً خلال طفولتي. فقد كانت القدوة التي احتذيت بها، أظهرت لي أن المرأة قوية وقادرة على تربية أولادها والعمل في إدارة أعمالها، طالما أنها تتسلّح بالتعليم والطموح والقيم المناسبة. علّمتني والدتي أهمية أن يتحلّى المرء بقيم الإنتاجية والاستقلالية.

ما هي النصيحة التي يمكنكِ إعطاءها للنساء السعوديات اللاتي يرغبن في إنشاء مشاريع خاصة بهن أو متابعة حلمهن أو شغفهن؟

اتّبعن أحلامكن من خلال الاستعداد لها بالتعليم والتقييم السليم للمشاريع. الطموح جيّد، ولكن يجب أن يكون مقروناً بالتخطيط الجيد والصبر والعمل بجد. كل شيء يبدأ خطوة بخطوة، يوماً بعد يوم، كل ما عليكِ فعله هو القيام بتلك الخطوة الأولى.

إذاً، ما الذي تحلمين به؟

أحلم بتحقيق المُثل العليا لمنصة Atharna ومساعدة الحرفيين السعوديين حقاً. أمّا حلمي الأكبر، فهو رؤية النساء السعوديات وهنّ يلعبن دوراً مهماً في تطوير وطننا الحبيب، من خلال دمج الحداثة مع الأصالة. لقد بدأ هذا التوّجه فعلاً، وأنا فخورة لكوني جزءً منه.

"أحلم برؤية النساء السعوديات وهنّ يلعبن دوراً هاماً في تطوير وطننا الحبيب، من خلال دمج الحداثة مع الأصالة."

الحرف المحلية

حرفة مع نعيمة
مركز الجسرة
حمدة الهاشمي
فاطمة حسنين
separator